24 فبراير 2013

نُشرت بواسطة في الغزو العراقي لدولة الكويت 1990 | تعليق واحد

26فبراير1991 .. مذكرات شاهد على الغزو العراقي (5) .

فى شهر فبراير 1991 وبينما كانت حرب تحرير الكويت من الغزو العراقي فى اوجها والضربات الجوية لقوات التحالف مستعرة تقصف بغداد وما حولها كان الصامدون على ارض الوطن يعدون الساعات والدقائق فى انتظار بشائر التحرير من براثن المعتدين ولم يكن اهالى الكويت فى الخارج اقل شوقا واهتياجا للعودة للوطن العزيز وقد طالت بهم الفرقة عن ترابه الغالى … فى تلك الايام الكالحة اشتد تضييق العراقيون لنا داخل الكويت والتى قد غادرها الكثير من اهلها وبدت بعض المناطق خاوية الا من بيوت قليلة هنا وهناك وربما تمر على الشوارع السكنية المتتالية والفرجان المتقاربة فلا تجد بها الا بيتين او ثلاثة … توقف الانتقال بالسيارات بين المناطق ولم يعد مسموحا لنا بقيادتها حتى لو كنت تملك احد تصريحات العراقيين وتقلص الوقت المسموح به لنا بالتجول الى قبيل المغرب ثم يبدأ بعدها المنع من الخروج للشوارع واضطرنا فى الاسبوعين الاخيرين او الثلاثة لاداء بعض الصلوات جماعة فى منازلنا … واما السماء فتلبدت بغيوم الرحمة والمطر المتواصل بشكل غير مسبوق على اراضي الكويت واشتد ظلام الليل بدخان ابار النفط المشتعلة التى احرقها العراقيون فى انتقام دنيئ وتخريب متعمد لما تبقى من ارض الكويت الغالية .. لم يكن الطعام متوفرا بشكل جيد وربما تحصل بعض الصامدين على مواد غذائية جيدة من تخزينهم اثناء الازمة وبقى بعض الناس لا يجدون الا العيش ( الارز ) والخبز وبواقي اطعمة ومعلبات استوردت من العراق وبيعت اثناء الغزو واما الماء فبدأ يتقطع كما الكهرباء التى تنفصل احيانا عن المناطق لاسباب غير معلومة …كان الراديو صديقنا الذي ينبأنا بالاخبار فى ظل انقطاع التواصل مع باقى الكويتيين فى المناطق المجاورة وكانت وسيلة الانتقال الممكنة فى تلك الفترة الدراجات الهوائية حيث ازدهرت بين الشباب والرجال كونها سهلة وميسرة ولا تتطلب التصريح من جلاوزة الجيش العراقي الغادر… قضينا تلك الايام بين هدير طائرات التحالف التى تشنف اذاننا وتطرب اسماعنا وبين ضجيج خرايب مضادات الطائرات العراقية التى وضعت فوق المنازل والمساجد والمدارس فى تصرف جبان من الجيش العراقي بالاحتماء بالمدنيين فى الكويت لمواجهة قوات التحالف .. لقد رايت كما راى الصامدون تلك الايام علامات الوهن وروح الياس قد تمكنت من العراقيين وكانوا موقنين بالهزيمة الساحقة لهم بقدر ايماننا بالنصر المنتظر لبلدنا العزيز … وفى اخر اسبوع وبالتحديد فى الجمعة الاخيرة من الغزو بادر المعتدون العراقيون باكبر عملية خطف يتوقعها العالم حيث اصابتهم الهلوسة داخل الكويت فبدأوا يلتقطون شباب الكويت ورجالها من امام منازلهم ومن عند المساجد وفى الشوارع بلا سبب وينقلونهم الى البصرة لاعتبارهم رهائن يساومون بهم الكويت بعد اقتراب بوادر الهزيمة الكبرى لام الخسائر العراقية فى حرب عاصفة الصحراء  وقد قدر من تم خطفهم فى اخر ثلاث ايام قرابة خمسة الاف شاب ورجل كويتى اعمارهم بين الخامسة عشر والخمسين عاما تقريبا ولولا دخول قوات التحالف للكويت ليلة التحرير لما بقي احد من اهل الكويت فى منزله الا وقد خطفه الغزاة الغادرون .. ثم جاءت البشرى العظيمة ببدأ الحرب البرية واقتحام قوات التحالف لمواقع العراقيين وتوجه القوات نحو بغداد مباشرة فى ضربة عنيفة لراس النظام الهالك صدام حسين وقواته المنهكة من اسابيع القصف الجوى المركز حتى اقبلت الليلة الحبيبة الى قلوبنا ليلة 26 فبراير 1991 وهذة قصة لوحدها لا زلت اذكر تفاصيلها وكانها البارحة وانا فى بيتنا بمنطقة الدعية ..
وكانت الساعة تشير الى الثانية بعد منتصف هذه الليلة العظيمة في تاريخ الوطن، وبيدي جهاز الراديو الصغير اقلبه وحيدا بين القنوات الاذاعية المختلفة، لعلي ألتقط خبرا عن هذه اللحظات الفاصلة في حرب تحرير الكويت من الغزو العراقي البغيض، حتى ألهب حماسي ما أعلنته الاذاعة السورية الثانية ليلا نقلا عن اذاعة اسرائيل ان الجيش العراقي الغازي بدأ انسحابا كاملا وفوريا من كل الاراضي الكويتية، فنهضت من فراشي صاعدا الى سطح منزلنا  لاطلع على حقيقة ما ذكر. لا تتخيل  هول المنظر في منتصف تلك الليلة الباردة والمظلمة، فطريق الدائري الثالث بين الدعية والشعب تحوّل في الاتجاهين  الى مجرى سيل من الآليات والمدرعات والمركبات العراقية والجنود العراقيين يتراكضون للفرار من مواقعهم وكأن الجمر تحت ارجلهم والنار خلف ظهورهم، وصراخهم واستغاثتهم بلغت مداها فأيقنت الساعة ان نصر الله تعالى قد اقبل علينا وهزيمة العراق قد حلت بهم لا محالة، وهو اليقين الذين لم يغب عن بالنا مذ ساعة احتلال الكويت، ثم استدعيت اشقائي ونسيبي من سرداب المنزل ليطلعوا على ما رأيته، ولم تكن الارض تحملنا فرحا وسعادة بما نرى ونسمع. انتظرنا على هذه الحالة حتى اشرقت شمس الكويت في ذلك اليوم المبارك، وصعدنا مرة اخرى الى السطح نتخفى لئلا يرانا احد من مجرمي الجيش العراقي، فلم نصدق أعيننا ونحن نرى الشوارع هادئة وثكنات العراقيين في السفارة الكندية (خلف المنزل) مهجورة، فخرجنا الى الشارع نسترق الانظار خفية، فلم يبشرنا بجلاء العراقيين وفرارهم الا جار لنا يقال له ابو احمد العوضي، وهو رجل في الخمسينات من عمره يقود دراجة هوائية ويرفع علم الكويت في يده قبل الساعة السابعة صباحا ويصيح: افرحوا يا اهل الكويت قد خرج (..) من البلد، يكررها بلا توقف، وقد كان مجرد حمل علم الكويت جريمة لا تغتفر اثناء الغزو العراقي.. فانطلقنا بالسيارة نطوف في المناطق والشوارع التي حرمنا منها لسبعة شهور، فلا نرى الا الصامدين من الشعب الكويتي، وقد اشرقت وجوههم بالفرحة العظمى وبالنصر المبين وهم يصيحون: الحمد لله رب العالمين. اين كنا وكيف اصبحنا، لقد تشردنا في الغزو العراقي وتقطعت اوصالنا وامتلأت بلادنا خوفا وقتلا وتفشت سرقات جنود الاحتلال وارهابهم، وشح علينا الاكل والغذاء والماء، وحرمنا من مغادرة منازلنا والصلاة في مساجدنا حتى سخر الله لنا العالمين، فانتصروا لنا.
فأي نعمة نعيش فيها هذه الايام، فاشكروها يا اهل الكويت فالبشكر تدوم النعم فالحمدلله من قبل ومن بعد … والله الموفق.
ابو خالد 24/2/2013
  1. عامٌ كامل مرّ منذ أول زيارة لي لهذه المدونة .
    فخورة لأنّه مازال هُناك من يكتب بشراهه عن عام
    90 ، اللحمة والقلب الواحد،الوجه الكويتي الذي
    نُريد.
    شكرًا على هذا الجهد.
    موفق أخ وليد.

اترك رداً على فاطمة. إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.